القاضي عبد الجبار الهمذاني

247

المغني في أبواب التوحيد والعدل

في الأبواب المتقدّمة ؛ لأنا قد بينا من قبل : كيف تدل المعجزات على النبوّات ؛ وبينا حد المعجز ؛ وما يتبين به من غيره ؛ وإنما نريد أن نذكر في القرآن أنه : قد حصل بمثل صفتها ؛ حتى يدل على نبوّته ، صلى اللّه عليه ؛ فإذا علمنا أنه ، صلى اللّه عليه ، تحدى به ؛ ولو لم يكن ناقضا للعادة ؛ فيما يختص به من قدر الفصاحة لأتوا بمثله ، مع ما عرفناه من أحوالهم في الفصاحة ، وقوّة الدواعي إلى إبطال أمره ؛ ثم لم يقع ذلك منهم ؛ مع زوال كل شبهة ؛ فواجب أن يكون ناقضا للعادة . واعلم . . أن هذه الدلالة مبنية على دعاوى ، منها : أنهم لم يعارضوه . ومنها : أنهم إنما لم يعارضوه ، ولم يأتوا بمثله ، لتعذر ذلك عليهم . ومنها : أنهم تعذر ذلك عليهم ؛ لما يختص به القرآن من المزية في قدر الفصاحة . ومنها : أن هذه المزية لم تجر العادة بمثلها في كلام الفصحاء ، فلا بد من أن يقتضي نقض العادة ؛ ومتى بين صحة هذه الدعاوى لم يبق للمخالف شبهة . وقد يجوز أن [ نقتصر من ذلك على دعويين كل واحدة منهما تنقسم إلى دعويين « 1 » ] بأن يقال : هو مبنى على تعذر المعارضة عليهم ؛ وعلى أنه تعذر لخروجه عن العادة ؛ لكنه لا بدّ في تعذر المعارضة من أن يتضمن دعوى نفى المعارضة ؛ لأنه لا يصح أن يثبت تعذر الشيء إلا بعد ثبوت أنه لم يقع ، ولم يحصل ؛ ولا يمكن أن يدعى في المزية نقض العادة إلا بعد ثبوت نفس المزية ، لأن مع القول بأن لا مزية لا يمكن أن توصف المزية بأنها ناقضة للعادة ؛ فصار تعذر المعارضة كالفرع على أن لا معارضة ، وصار كون المزية ناقضة للعادة مبنيا على إثبات المزية ؛ فلذلك أخرنا ما قدمناه من بناء الدلالة على الدعاوى الأربع .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .